حسن الأمين

304

مستدركات أعيان الشيعة

وقوله : « سالت - أحسن الله توفيقك - إملاء كتاب في تنزيه الأنبياء ، والأئمة ( ع ) عن الذنوب والقبائح كلها ، ما سمى منها كبيرا أو صغيرا ، والرد على من خالف في ذلك على اختلافهم ، وضروب مذاهبهم ، وأنا أجيب إلى ما سئلت على ضيق الوقت ، وتشعب الفكر ، وابتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب ، ثم بالدلالة على المذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب ، ثم بتأويل ما تعلق به المخالف من الآيات والأخبار التي اشتبه عليه وجهها ، وظن أنها تقتضي وقوع كبيرة أو صغيرة من الأنبياء والأئمة ( ع ) ، ومن الله استمد المعرفة والتوفيق ، وإياه أسال التأييد والتسديد » . ( 1 ) ومن السجع قوله : « الحمد لله على ما أعطى من فهم ، وآتى من علم ، وصفى من بصيرة ، وعفى من جريرة ، ويسر من طلب ، وسني من أدب . . . » . ( 2 ) وقوله : « الحمد لله على ما دبر من حق متبع ، وصرف عن باطل مبتدع ، وأرشد إلى دلالة ، وأبعد من ضلالة وجهالة ، وصلواته على خير خلقه ، وعلى الأكارم والمعالم من أهله ، الذين سلكوا منهاجه ، واتبعوا محاجه ، وحفظوا من التبديل والتغيير شريعته ، وبينوا مجملها ، وفسروا مشكلها ، وأقاموا دعامها ، وقربوا مرامها » . ( 3 ) والملاحظ في أكثر هذه المقدمات المسجوعة ، أن السجع فيها غير بادي التكلف ، ولكنك قد تجد فيها من السجع ما يظهر أثر التكلف عليه والنبو على بقية سجعه فيه فمن ذلك قوله : « سالت - أعزك الله وأرشدك - إملاء رسالة في القدر ، فقد جالت به الفكر ، وأكثرها عن معرفته قد انحسر » . ( 4 ) وقوله : « واعلم أن الكلام في القضاء والقدر ، قد أعيا أكثر أهل النظر ، وأتعب ذوي الفكر ، والمتكلم فيه على غاية من الخطر » . ( 5 ) ولقد تجد له نثرا أدبيا في أثناء كتبه وفي عرضها ، من فصول يظهر عليها آثار التأنق في العبارة ، والذهاب مذهب المتأدبين في انتقاء الفكرة ، وقصد التأثير في القارئ عن طريق هذا التفكير والتعبير معا . وأكثر ما يتجلى هذا حين يدفع عن فكرة دينية ، أو نحلة مذهبية فإنه مع التزامه عادة أهل الجدل والكلام ، في التزام الأسلوب المنطقي ، ومصطلحاتهم الكلامية ، يجنح جنوحا بارزا إلى الأسلوب الأدبي ، ويخلص إليه بطبعه في مهارة تخيل للقارئ أنه يكتب موضوعا إنشائيا ، يرتجله من نفسه ، غير مقيد بالتزام مصطلحات وحدود . قال مستدلا على تنزيه الله من خلق الشرور - وهي عقيدة إمامية - : « وأما حجة العقول على أن الله لم يفعل أفعال العباد ، وإن فعل الخلق غير فعل رب العالمين ، فهو أنا وجدنا من أفعال العباد ما هو ظلم وعبث وفساد ، وفاعل الظلم ظالم ، وفاعل العبث عابث ، وفاعل الفساد مفسد ، فلما لم يجز أن يكون الله مفسدا ، علمنا أنه لم يفعل الظلم ولا العبث ولا الفساد . إن الله لا يجوز أن يعذب العباد على طولهم ، وقصر ألوانهم وصورهم ، لأن هذه الأمور فعله وخلقه فيهم ، فلو كان الكفر والفجور فعل الله لم يجز أن يعذبهم على ذلك ، ولا ينهاهم أو يأمرهم بخلافه . إن الله سخط الكفر وعابه ، وذم فاعله ، ولا يجوز على الحكيم أن بذم العباد على فعله ، ولا يعيب صنعه ولا يسخطه ، بل يجب أن يرضى بفعله ، لأن من فعل ما لا يرضى به فهو غير حكيم ، ومن يعيب ما صنع ، ويصنع ما يعيب فهو معيب . . . فالله أحكم وأعدل من أن يسخط في فعله ، ويغضب من خلقه ، ويفعل ما لا يرضى به . . . فلما كان الله أحكم الحاكمين علمنا أنه غير فاعل للكفر ، ولا محدث للظلم ، ولا مبتدع للقبائح ولا مخترع للفواحش ، وثبت أن الظلم فعل الظالمين ، والفساد فعل المفسدين ، والكذب فعل الكاذبين ، وليس شيء من ذلك فعل رب العالمين . ( 6 ) وانظر إليه وهو يصل بين « الجاحظ » و « ابن الراوندي » في مقالاتهما التي يبطلها ، ومؤلفاتهما التي يشنع عليها ، وطريقتهما في تبني الآراء المختلفة ، والنحل المتباينة ، والاستدلال لها من غير إيمان بما فيها ، فإنك تجد فيه أديبا مترسلا في عرض مسائل مذهبية لم يعتد المتكلمون إلا قليلا تناولها بهذا الأسلوب الأدبي . « أما » ابن الراوندي « فقد قيل فيه أنه إنما عمل الكتب التي شنع بها عليه معارضة للمعتزلة ، وتحديا لهم ، لأن القوم - يريد المعتزلة - كانوا أساؤا عشرته ، واستنقصوا معرفته ، فحمله ذلك على إظهار هذه الكتب ، ليبين عجزهم عن استقصاء نقضها ، وتحاملهم عليه في رميه بقصور ألفهم والغفلة . . . وما صنع » ابن الراوندي « من ذلك إلا ما صنع » الجاحظ « مثله أو قريبا منه ، ومن جمع بين كتبه التي هي » العثمانية « و » المروانية « و » الفتيا « و » العباسية « و » الامامية « ، و » كتاب الرافضة والزيدية « ، رأى من الفتيا واختلاق القول ما يدل على شك عظيم ، والحاد شديد ، وقلة تفكر في الدين وليس لأحد أن يقول : إن الجاحظ لم يكن معتقدا لما في هذه الكتب المختلفة ، وإنما حكى مقالات الناس وحجاجهم وليس على الحاكي جريرة ، ولا يلزمه تبعة ، لأن هذا القول إن قنع به الخصوم ، فليقنعوا بمثله في الاعتذار فان » ابن الراوندي « لم يقل في كتبه التي شنع بها عليه : إنني أعتقد هذه المذاهب التي حكيتها ، وأذهب إلى صحتها . بل كان يقول : قالت الدهرية ، وقال الموحدون ، وقالت البراهمة ، وقال مثبتو الرسل ، فان زالت التبعة عن » الجاحظ « في سب الصحابة والأئمة ، والشهادة عليه بالضلال ، والمروق عن الدين ، بإخراجه كلامه مخرج الحكاية ، فلتزولن أيضا التبعة عن » ابن الراوندي « بمثل ذلك .

--> ( 1 ) تنزيه الأنبياء ص 2 ط إيران . ( 2 ) طيف الخيال ص 13 ط مصر . ( 3 ) الانتصار ص 2 ط إيران . ( 4 ) تنزيه البشر ص 25 ط النجف . ( 5 ) المصدر السابق . ( 6 ) تنزيه البشر من الجبر والقدر ص 57 - 60 ط النجف .